مادة الافتاء من المصنفات الحديثية
تاريخ الافتاء
واعلام الفتوى :
لقد مر الافتاء
بمراحل عديدة من بينها مرحلة النشاة,حيث عرف الافتاء انطلاقته الاولى في عهد النبوة,وقد تميز هذا العهد بوجود نوعين من الافتاء,فتوى قرانية واخرى نبوية.
وهكذا تضمن كتاب
الله جملة من اسئلة السابقين وجهوها الى الرسول صلى الله عليه وسلم والوحي لايزال
غضا طريا بالاستفسار عن بعض الاحكام الشرعية,اوللمزيد من البيان او التوضيح عن بعضها الاخر,فتولى الوحي الالهي الاجابة عنها بما يشفي ويكفي.فكانت الصيغة التي وردت
بها تلك الاسئلة في اغلبها بلفظ السؤال الذي هو طلب المعرفة او ما يؤدي اليها,وفي بعضها الاخر بالاستفتاء الذي هو طلب
الافتاء.كما نجد في القران الكريم اسئلة اخرى وجهها خصوم الاسلام ومعارضو الدعوة
الاسلامية لم يكن القصد منها التعرف على الحكم الشرعي وانما الغرض منها التحدي
والجدال في الحق المبين كسؤالهم عن الروح وعن الساعة ,وهذا الصنف الاخير لاعلاقة له بالفتوى.
وبما ان رسول الله
صلى الله عليه وسلم نبي هذه الامة ومبين احكامها,فقد تولى عليه السلام بيان كيفية السؤال والجواب والافتاء والاستفتاء بنوع
من التفصيل بما جاء في القران الكريم.وقد عهد اليه رب العزة تبيين الاحكام فقال
سبحانه(وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم).
وهكذا تتضمن السنة
النبوية عددا من الاسئلة على لسان الصحابة وغيرهم,واجوبة اخرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم,قد حوتها كتب السنة من السنن والصحاح والمسانيد.قال القرافي في
الفروق انه صلى الله عليه وسلم كان المفتي والامام,وقاضي الاحكام,وعالم العلماء,فجميع المناصب الدينية فوضها الله اليه في الرسالة,فهو اعظم من تولى منصبا منها الى يوم القيامة,ما من منصب ديني الا هو متصف به في اعلى مرتبة غير ان غالب تصرفه صلى الله
عليه وسلم التبليغ".
ولما كان الصحابة
رضوان الله عليهم اعمق الناس علما واحسنهم بيانا واقربهم الى مبين دين الله,فقد كانوا- كما روى الطبراني عن ابن عباس انه
قال : "مارايت قوما كانوا خيرا من اصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم لم يسالوه الا عن ثلاثة عشر مسالة حتى قبض,كلها في القران منها :قوله تعالى(يسالونك عن الشهر الحرام)وقوله
سبحانه(يسالونك عن المحيض),وما كانوا يسالون الا عما ينفعهم.
وقد قاموا
بالافتاء بعده,وكانوا كما قال الحجوي الثعالبي :"اعظم المجتهدين
بعده واكمل المفتين الذين اختارهم الله بصحبته...وعاينوا نزول الشريعة عليه
وتنزيلها على مواقعها,وشاهدوا افتاءهم واحكامهم".فوجد من
الصحابة من افتي على عهده عليه الصلاة والسلام,خصوصا تلك الجماعة التي كانت ذات علم يمكنها تولي ذلك المنصب الخطير.قال
مسروق :"شممت اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم
ينتهي الى ستة : علي وعبد الله وعمر وزيد بن ثابت وابي الدرداء وابي بن كعب,ثم شممت الستة فوجدت علمهم ينتهي الى علي وعبد الله-ابن مسعود-".
وقال ابن
خلدون :"ان الصحابة كلهم لم يكونوا اهل فتيا ولاكان
الدين ياخذ عن جميعهم وانما كان ذلك مختصا بالحاملين للقران العارفين بناسخه
ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالته بما تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم او
ممن سمعه منهم من عليتهم وكانوا يسمون-بذلك- القراء اي الذين يقراؤن الكتاب".
لذا فالذين قاموا
بالافتاء بعده عليه الصلاة والسلام مكثرون ومتوسطون ومقلون.فبلغ بذلك عددهم نحو
مائة ونيف وثلاثين نفسا,ما بين رجل وامراة,وكان المكثرون منهم سبعة,عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعائشة ام المؤمنين وزيد بن ثابت وعبدالله بن
عبدالله بن عمر.
قال ابن حزم :"ويمكن ان يجمع من
فتاوي واحد منهم سفر-كتاب- ضخم".
وهناك طائفة اخرى
تلي هذه الاولى في المرتبة من حيث الكثرة,وهم متوسطون في الافتاء ومنهم :ام سلمة وابو بكر وعثمان وابو موسى الاشعري ومعاذ وسعد بن ابي وقاص وابو
هريرة وانس بن مالك وعبدالله بن عمرو بن العاص وسلمان الفارسي وجابر بن عبد الله
وابو سعيد الخدري وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمان بن عوف
وعمران بن حصين وابو بكر-بالفتحة- وعبادة بن الصامت ومعاوية بن ابي سفيان وعبدالله
بن الزبير.فهؤلاء كانوا ياخذون الاحكام من القران او ماصح لديهم من السنة فان لم
يجدوها فيها افتوا بما اداهم اليه اجتهادهم مع الاحتراس التام والخوف من ان يكون
رايهم غير مصيب.
الى جانب طائفة
المكثرين وطائفة المتوسطين جماعة اخرى تعتبر مقلة في الفتيا.قال عنهم ابن
القيم :"لايروى عن الواحد منهم الا المسالة او
المسالتان والزيادة اليسيرة,على ذلك يمكن ان يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والبحث,وهم ابو الدرداء وابو سلمة المخزومي وابو
عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد والحسن والحسين والنعمان بن بشير والنعمان بن مسعود
ابي بن كعب وابو ايوب وابوذر وام عطية وصفية ام المؤمنين وحفصة...وغيرهم".
وبالجملة فان
الصحابة رضوان الله عليهم كانوا خلفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم,يعملون بكتاب الله ويستنيرون بهديه,فكانوا اذا واجهتهم احداث ووقائع لم تكن في
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يلجؤون الى كتاب الله فان لم يجدوا لجؤوا الى
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فان لم يجدوا التجاؤا الى استعمال الراي
فاجتهدوا بارائهم وحكموا افهامهم فيما يرونه اشبه بالمعروف من مقاصد الشريعة
وقواعدها في اقامة العدل واستقامة المصالح التي وضحت سبلها.
ويلي عصر الصحابة
عهد التابعين واتباعهم ثم الذين يلونهم,الذين لم يختلفوا عنهم كثيرا في طريقة الاستنباط,فيقول عنهم محمد فاروق النبهان :"من الصعب علينا
ان ندرك فروقا جوهرية بين منهج الصحابة والتابعين في استنباط الاحكام,بل من المؤكد ان منهج التابعين كان يسير على
نفس المنهج الذي كان الصحابة يعتمدون عليه من حيث الحرص على النص الشرعي الوارد في
القران والسنة ثم الانتقال الى ما اجمع عليه الصحابة ثم اجتهادات الصحابة وبعدها
كانوا يعتمدون لرايهم".
فلم ينقض عصر
الصحابة حتى ظهر في افق العلم والفقه عدد كبير من التابعين الذين عرفوا بالاجتهاد
والفتوى والصلاح والتقوى.
وكان من هؤلاء,سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن
محمد وابي بكر بن الحارث وسليمان بن يسار,وعبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وخارجة بن زيد.وهؤلاء هم الفقهاء
السبعة وقد جمعهم الناظم في قوله :
اذا قيل في العلم
سبعة ابحر روايتهم ليست عن العلم
خارجة
فقل هم عبيد الله
عروة قاسم سعيد ابوبكر سليمان خارجة
وكان هؤلاء يكرهون
الخوض في الراي,ويهابون الفتيا,ويتورعون عن تجاوز الاثار الى مسالك التخريج والقياس الا لضرورة.
وقد صار لكل عالم
منهم مذهب معين,فسعيد بن المسيب بالمدينة وعطاء بمكة
وابراهيم النخعي بالكوفة والحسن البصري بالبصرة وطاووس باليمن ومكحول بالشام.
وجاء بعد ذلك
فقهاء اتباع التابعين,الذين وقفوا على طرق استدلال التابعين,وتاثروا بهم,وقارنوا بين فتاوي الصحابة وفتاويهم,وعرفوا اماكن الخلاف المبني على الاختلاف وتقديم الادلة وطرق الاستنباط,واستقراوا الفتاوي وردوها الى ادلتها,واستخرجوا بذلك الاستقراء الشامل للفروع
والاصول ضوابط لانواع الادلة واوصافا تفصيلية لطرق الاستدلال التي مشوا عليها
واطمانوا على صحة نتائجها في الاحكام.
وبعدها جاءت مرحلة
المذاهب الفقهية,وهي المرحلة التي ازدهر فيها التشريع ونضج
فيها الفقه,وهي من اهم مراحل الفقه والافتاء.فقد استمرت
نحو خمسين ومائتي عام,وبدات في اوائل القرن الثاني الهجري واستمرت
الى منتصف القرن الرابع,فاتسع الفقه والافتاء في هذا العصر,ونهض نهضة عظيمة,واتسعت دائرتهما.وحقا كان لقيام العباسيين بالخلافة,ورعايتهم العلماء اثر كبير في حياة الفقه والتشريع,وعامل قوي من عوامل ازدهاره وتطوره,ففي هذه المرحلة بدا تدوين السنة,وظهرت مذاهب الفقه على اختلافها.
وقد اشار المرحوم
محمد الخضري بك الى اهمية هذه المرحلة واسباب ذلك فقال :"...ظهرت المذاهب
في هذه المرحلة ومجتهدون اعتبرهم الجمهور ائمة يترسم خطاهم ويعمل بمقتضى ارائهم
حتى انه ليجعلها بمثابة نصوص الكتاب والسنة لايجوز له ان يتعداها,والذي منحهم هذا الامتياز الاسباب
الاتية :
اولا :ان مجموع ارائهم مدون,ولم يكن ذلك لاحد من السلف.
ثانيا :انه قام لهم تلاميذ قاموا بنشر اقوالهم
والدفاع عنها والانتصار لها.
ثالثا :ميل الجمهور لان يكون على علم بما ينتحله
القاضي من المذاهب حتى لاتكون حريته في الراي مظنة لاتباع الهوى في القضاء ولايكون
ذلك الا اذا كان له مذهب مدون".











اضف تعليقاً عبر: